السعيد شنوقة

250

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

الْبَصِيرُ [ الشورى : 11 ] قال في لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ تقول العرب : « مثلك لا يبخل فنفوا البخل عن مثله وهم يريدون نفيه عن ذاته ، قصدوا المبالغة في ذلك فسلكوا به طريق الكناية ، لأنهم إذا نفوه عمن يسدّ مسدّه وعمن هو على أخصّ أوصافه فقد نفوه عنه ، ونظيره قوله للعربي : العرب لا تخفر الذمم كان أبلغ من قولك : أنت لا تخفر ، ومنه قولهم : قد أيفعت لداته وبلغت أترابه يريدون إيفاعه وبلوغه ( . . . ) فإذا علم أنه من باب الكناية لم يقع فرق بين قول ليس كالله شيء وبين قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ( الآية ) إلا ما تعطيه الكناية من فائدتها . وكأنهما عبارتان متعقبتان على معنى واحد وهو نفي المماثلة عن ذاته » « 1 » . فلا شيء يماثله من خلقه ولا يقاس بشيء من بريته ، ولا يدرك بقياس ، ولا يقاس بالناس ، كان قبل الأمكنة ويكون بعدها ، خالق كل شيء ، ولا شريك له عز وجل ، ولا تدل مشاركة العباد له في التسمية على مماثلته سبحانه لأن قوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ قطع للتشبيه « 2 » ؛ فلا يشبهه شيء في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله . ويوظف الطريقة اللغوية في التفسير تأكيدا لمراده في معنى الإحباط في الآية أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ [ الحجرات : 2 ] : « حبجت الإبل إذا أكلت العرفجة فأصابها ذلك . وأحبض عمله مثل أحبطه ، وحبط الجرح وحبر إذا غفر وهو نكسه وتراميه إلى الفساد ، جعل العمل السيئ في إضراره بالعمل الصالح كالداء والحرض لمن يصاب به » ثم قال : « أعاذنا الله من حبط الأعمال وخيبة الآمال . وقد دلت الآية على أمرين هائلين : أحدهما أن فيما يرتكب من يؤمن من الآثام ما يحبط عمله . والثاني أن في آثامه ما لا يدري أنه محبط . ولعله عند الله كذلك ؛ فعلى المؤمن أن يكون في تقواه كالماشي في طريق شائك لا يزال يحترز ويتوقّى ويتحفّظ » « 3 » .

--> ( 1 ) الكشاف ، ج 3 ، ص 462 - 463 . ( 2 ) انظر الغزالي أبو حامد ، المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى ، ص 48 - ، 52 وكذا ابن قيم الجوزية ، شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل ، ص 130 ، وكتابه : اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية ، ص ، 90 وكذا سليمان بن عبد الله بن محمد ، تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد ، ص 677 . ( 3 ) الكشاف ، ج 3 ، ص 557 .